المحامي والأستاذ الحسين بكار السباعي يكتب بعد خطاب ذكرى المسيرة الخضراء المظفرة

14 نوفمبر 2018 - 9:36 ص

تابعنا وبإهتمام كبير خطاب صاحب الجلالة الأخير، وواكبنا ايضا العديد من التحليلات التي تقدم بها خبراء وسياسيون وحتى من الوسط الشعبي. ويلاحظ أن الخطاب كان شموليا في معالجته لقضية الصحراء، وعالج الإشكال الحقيقي في افتقاد المغرب المغربي للحكامة الجيدة والنظرة الإستباقية، فلا يختلف اثنان ان المبادئ الأساسية التي وضع من اجلها بناء هذا الصرح قد اختلت، واختلطت دوائر الفعل السياسي؛ وفقد مشروع الإتحاد فاعليته، ليصبح جزءا من المشكلة بدلا من أن يكون جزءا من الحل، حيث أن تغليب مصلحة المؤسسة الحاكمة في الجزائر هو سبب أساسي إلى حد التناقض المفضي للهلاك، فما كان صالحا من بساطة الرؤية في البدايات، لم يعد مجديا في عصر التعقيد والبيئات المفتوحة.
الخطاب الملكي تناول ذكرى المسيرة الخضراء عبر وجهتي نظر داخلية ترتكز على العمل الجاد وروح المسؤولية، وخارجية تعتمد على الوضوح والطموح كمبادئ لسياسة الخارجية.
اشار الخطار الملكي لثلاث عناصر في علاقة المغرب بالوسط الخارجي وهم الإخوة والأصدقاء والجيران، ولعل القراءة واضحة اذا ما تم اسقاط عاته العلاقة على الدول المحيطة بالمغرب وهي الجزائر موريتانيا وإسبانيا.
المسؤولية التي تحلى بها الخطاب الملكي كانت واضحة وأكد أن واقع التفرقة والإنشقاق غير مقبول مع الإشارة إلى ما يجمع شعوبنا من أواصر الأخوة، ووحدة الدين واللغة، والتاريخ والمصير المشترك. وهو ما يتعارض مع الواقع الذي نعيشه في شمال افريقيا، وهو ايضا امر غير مقبول مؤسساتيا وإجتماعيا، فمن غير الديمقراطية ان تكون دولة واحدة تعارض بناء اتحاد مغاربي أكدت مختلف الدراسات انه سيعود بالنفع إلى مجتمعات شمال افريقيا.
تطرح تساؤلات كثيرة حول المقاومة الجزائرية و السلطة الحاكمة بالجزائر اليوم، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون مقاومة الأمس هي من تقود اليوم، لأن شرف المقاومة لايستحل عداوة الغد بعد ان ساهم المغرب في دعم الأمير عبد القادر لسنوات طويلة حتى الحصول على الاستقلال، وحتى ما بعد الفترة الكولونيالية فيلاحظ العلاقات الأسرية التي جمعت بين الأسر المغربية والجزائرية التي تربطها اليوم أواصر الدم والقرابة.
تعني وحدة شمال افريقيا بالنسبة للتوجه الذي أخذناه في التحليل أن الإنسان معادل للإنسان، وأن الفروق التي أتت مرتبطة ببعض الشروط المجتمعية أو التاريخية والسياسية كان بالأحرى أن تأتي في سياق مصالح الشعوب المبنية على الوحدة والتكامل والاندماج، دون الحاجة لطرف ثالث للتدخل أو الوساطة بيننا.
وهو ما تبرئ منه جلالة الملك بأن الله شاهد على حسن النية والصدق واليد الممدوة منذ تولي جلالته للعرش عبر مطالته بفتح الحدود واعادة العلاقات لما فيه خدمة الإنسان.
الوحدة بين الشعوب لها نظريات متعددة تبقى اهمها القائمة وعلى سبيل المثال الأنثروبولوجيا الفلسفية التي هي أنثروبولوجيا للإنسان في عالمه الذاتي الجوهري، وليس كائنا علويا، إنه ليس إنسان الخطيئة (أوغسطين وباسكال)، ولكنه الإنسان الواقعي والتاريخي الذي يعيش في العالم الملموس.
الحوار المباشر بين المغرب والجزائر كان محورا اساسيا في الخطاب الملكي بل يمكن اعتباره الحجرة الأساس ككل، وكما يقول أرسطو أن الوحدة تنبثق إلى الوجود من أجل الحياة، بيد أنها وجدت من أجل الحياة الخيرة، وهو جاء فيه الخطاب الملكي حيث يورد جلالته ما يلي ”وبكل وضوح ومسؤولية، أؤكد اليوم أن المغرب مستعد للحوار المباشر والصريح مع الجزائر الشقيقة، من أجل تجاوز الخلافات الظرفية والموضوعية، التي تعيق تطور العلاقات بين البلدين”.
مشروع آلية سياسية والتشاور، يتم الاتفاق فيه على تحديد مستوى التمثيلية بها، وشكلها وطبيعتها، مشروع جاد ومنطقي لا يتعارض مع الواقع إلا ان الإشكال فيه هو مدى تأثير الشعب الجزائري على اصحاب القرار لفرض الأمر الواقع، وإذا ما كانت السلطة الحاكمة اكبر من سلطة المجتمع الجزائري فسيكون لزاما الإستناد على فلسفة فلسفة هوبز الأخلاقية والسياسية التي تعطي للفرد ما يبدو أشبه بحق المقاومة على نطاق واسع في حالات تصبح شرف المواطن أو عائلاتهم في خطر ، مما يلغي التزام الفرد بالطاعة إذا ما فشل الحاكم ذو السيادة في تقديم الحماية الكافية لهم، وإذا كان الأمر متروكا لكل فرد ليقرر بنفسه المقدار اللازم من الحماية، فيبدو أن الناس لم يخرجوا من قمقم الخوف من الحالة الطبيعية.
يوقفنا عمل الآلية على واقع الأخلاق والسياسة وقد حدد جلالة الملك عملها على الصدق وحسن نية، وبأجندة مفتوحة، ودون شروط أو استثناءات. مما سيمكنها أن تشكل إطارا عمليا للتعاون، بخصوص مختلف القضايا الثنائية، وخاصة في ما يتعلق باستثمار الفرص والإمكانات التنموية التي تزخر بها المنطقة المغاربية. كما ستساهم في تعزيز التنسيق والتشاور الثنائي لرفع التحديات الإقليمية والدولية، لاسيما في ما يخص محاربة الإرهاب وإشكالية الهجرة.
الإحترام المتبادل تقدم به المغرب للمؤسسات الوطنية الجزائرية مما يفرض على الجزائر المعاملة بالمثل وإحترام المؤسسات الوطنية.
كما أكد جلالته أن المغرب سيعمل بكل مصداقية على إرساء علاقاتنا الثنائية على أسس متينة، من الثقة والتضامن وحسن الجوار، عملا بقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم : “ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه”.
لم يغفل جلالته في خطابه ان يعيد إلى اذهان الأمة التلاحم والترابط القوي بين العرش والشعب، ومدى سلمية المسيرة الخضراء التي شبهها اغلب زعماء العالم بالمسيرة المعجزة، كما أعطى جلالته كرونولوجية تاريخية زاوجها بالجغرافيا عبر قوله: ” ففي أبريل الماضي، خلدنا الذكرى الستين لاسترجاع طرفاية. وبعد شهور، ستحل الذكرى الخمسون لاسترجاع سيدي إفني، ثم الذكرى الأربعون لاسترجاع وادي الذهب.” وهي أحداث تاريخية، أبان فيها الشعب المغربي قاطبة، والقبائل الصحراوية، على وجه الخصوص، عن إجماع منقطع النظير، حول التشبث بمغربية الصحراء الذي حمل دلائل قوية، وهو الحدث الذي قطع الشك باليقين، ففي الوقت الذي راهنت إسبانيا على تقسيم الصحراء وتقسيم القبائل الصحراوية كرد فعل على انهزامها في مواجهة المغرب، جاء حدث 14 ليعيد إقليم وادي الذهب إلى السيادة المغربية، فكانت صفعة قوية للعدو، وكان انتصارا تاريخيا للمغرب لينهي الحلم الاستعماري ويعيد لحمة الوحدة الوطنية بين الساقية الحمراء ووادي الذهب من جهة وبين الإقليم برمته ووطنه المغرب من جهة أخرى.
هو الحدث نفسه الذي انتصر للمغرب في صراعه ضد خصوم وحدته الترابية، ففي الوقت الذي راهنت جبهة البوليساريو ومن خلفها الجزائر وعدد من الدول المؤيدة لها على اقتطاع إقليم الساقية الحمراء من الخارطة المغربية، حيث كانت الحرب على أشدها بين ميليشيات البوليساريو والقوات المسلحة الملكية.
تجدر الإشارة أن جلالة الملك ربط بين الماضي والحاضر ليصل إلى خطاب مستقبلي يبين وبشكل واضح توجه الدولة المغربية في التعامل مع القضايا، فاليد الممدودة لاتعني الإنهزام ولكن تفسر بقوة الحق مادام توجه الدولة يقوم على الصرامة والحزم، مع مختلف التجاوزات، كيفما كان مصدرها، التي تحاول المس بالحقوق المشروعة للمغرب، أو الانحراف بمسار التسوية عن المرجعيات المحددة.
فيما يخص مبادرة الحكم الذاتي فقد اشار جلالته وكسائر الخطابات السابقة فهي مقترح عملي، كفيل بإيجاد حل سياسي دائم، على أساس الواقعية وروح التوافق أما الطموح، فيتمثل في تعاون المغرب الصادق مع السيد الأمين العام للأمم المتحدة، ودعم مجهودات مبعوثه الشخصي قصد إرساء مسار سياسي جاد وذي مصداقية، وهنا تجدر الإشارة إلى التقرير الأممي الأخير في اكتوبر 2018 بتجديد بعثة المينورسو ويؤكد القرار بترحيب الأمم المتحدة بالقرار التي تقدم به المغرب ابريل 2011، كما يدعو جبهة البوليساريو إلى التقيد التام بالإلتزامات والوفاء بالعهود فيما يخص نقل الهياكل الإدارية إلى المنطقة العازلة، أكثر من هذا فالقرار الأممي يثمن جهود المجلس الوطني لحقوق الإنسان ولجانه الجهوية بالداخلة والعيون.
وقد اختتم جلالته الخطاب الملكي بالشأن الداخلي وكانت الدعوة مرة أخرى صريحة لوضع حد لسياسة الريع والامتيازات، ورفض كل أشكال الابتزاز أو الاتجار بقضية الوحدة الترابية للمملكة.
التنمية في الأقاليم الجنوبية تحيلنا لعودة المغرب إلى الإتحاد الإفريقي فنظرا للتاريخ الكبير للمنطقة بأفريقيا جنوب الصحراء فإن تعاون جنوب جنوب لا يكون إلا إنطلاقا من الجنوب، وهنا يقول جلالته ”وبنفس الروح، سيعمل المغرب على الاستثمار في شراكات اقتصادية ناجعة ومنتجة للثروة، مع مختلف الدول والتجمعات الاقتصادية، بما فيها الاتحاد الأوروبي. إلا أننا لن نقبل بأي شراكة تمس بوحدتنا الترابية.”
أن الشراكة التي نادى بها جلالته تهدف على أن تعود فوائد هذه الشراكات بالنفع المباشر، أولا وقبل كل شيء، على ساكنة الصحراء المغربية، وأن تؤثر إيجابيا في تحسين ظروف عيشهم، في ظل الحرية والكرامة داخل وطنهم.
وحتى لا نطيل فالقضية الوطنية ربطها جلالته بإيمان الشعب المغربي بحقه المشروع في استكمال الوحدة الترابية للمملكة، والتزامه القوي بالتضحية في سبيل الدفاع عنها. مما يحيلنا أن قضية الصحراء لم تعد مسألة دولة وإنما مسألة وجود، وهو ما يجعلها نهجا راسخا ومتواصلا يقوم على الإجماع الوطني، والتعبئة الشاملة، من أجل النهوض بالتنمية المندمجة، وصيانة الوحدة والأمن والاستقرار. وفي ذلك إختتم جلالته بالتذكير بقسم المسيرة الخضراء بطريقة غير مباشرة، حيث يورد جلالته ما يلي ”وفاءا لروح مبدعها، والدنا المنعم، جلالة الملك الحسن الثاني، أكرم الله مثواه، وللأرواح الطاهرة لشهداء الوطن الأبرار”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *