المرأة الصحراوية ومدى تبنيها للفكر الإنفصالي، بين النظريات العلمية ونتائج البحث الميداني

27 ديسمبر 2018 - 9:38 م

قبل التفصيل في موضوع الصحراء و معالجتها السياسية النوعية من الضروري الوقوف على الخلاف الذي تدافع فيه الجزائر عن حدودها كما تركها الاستعمار الفرنسي في مقابل المغرب الذي يطالب بحدوده كما كانت قبل الاستعمار والتي تمثل معاهدة لالة مغنية قاعدة مرجعية في 18 مارس 1845 ، وهي المعاهدة التي وقعها المغرب مع فرنسا بعد هزيمته بمعركة إيسلي في 1844 بسبب دعمه لثورة الأمير عبد القادر الجزائري.

عدة اتفاقيات أخرى وقعت ما بين 1901 و1902 ترتبط بمدى الاستعماري لفرنسا في المغرب وسعيها لتثبيت وجودها في الجزائر او ما يسمى بفرنسة الجزائر. ومنذ حصول المغرب على استقلاله ومشكلة الحدود مع الجزائر مطروحة، إلا أنها تؤجل حتى لا تعتبر طعنا للثورة الجزائرية، إلى أن حصلت الجزائر على استقلالها في يوليو 1962 ويتجدد طرح المشكل.

المغرب يقول إن الصحراء كانت دائما مغربية، في حين تتشبث الجزائر بجبهة البوليساريو وتؤكد انها قضية تصفية استعمار يعود البث فيها إلى اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، غير ان هذا التوجه الجزائري مجانب تماما للصواب فمجلس الامن يتبنى ملف الصحراء منذ سنة 1988، مما يجعل المزاوجة في تبني المعالجة بين مجلس الأمن والجمعية العامة، مفارقة تاريخية يتم القفز فيها بشكل غير قانوني على المادة 12 من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على أنه ” طالما باشر مجلس الأمن، بصدد نزاع أو موقف ما، الوظائف التي رسمت في الميثاق، فليس للجمعية العامة أن تقدم أية توصية في شأن هذا النزاع أو الموقف ”.

لن نتابع هنا المتاهات التي عرفها الملف في الأمم المتحدة، فمشروع إقامة دولة في الصحراء لم يعد له مكان في السياسة الدولية العامة اصلا، هنا نشير الى السياق التاريخي للمشروع الذي يهدف إلى إقامة بؤرة “ثورية” تكون منطلقا لـ” تحرير” ما حولها، في إطار محاربة الإمبريالية زمن الحرب الباردة. كانت هناك “بؤر ثورية” مماثلة على الصعيد العالمي، مثل غينيا وإثيوبيا في إفريقيا الخ … ماتت بسقوط الاتحاد السوفيتي. وقد استخلص سكان المناطق التي كانت معنية به الدرس اللازم، ولا أعتقد أن الشباب الصحراوي، الذي كان قد انخرط في هذا المشروع، سيتأخرون أكثر مما فعلوا، عن استخلاص الدرس.

مرصد الجنوب لحقوق الأجانب والهجرة، كان سباقا في دراسته التحليلية لقضايا الانفصال بإجرائه لبحث ميداني، كنا قد نشرنا محوره الأول في مقال سابق حول تبني موقف الانفصال لدى الشباب وبالأخص الطلبة القادمين من مدن الجنوب، اليوم نعالج الانفصال في شقه النوعي المتعلق بالمرأة الصحراوية وفكرة الدولة الصحراوية، البحث اجريناه في المدن التالية: كليميم، طانطان، العيون، وذلك في فترات مختلفة، وقد شمل 30 امرأة بمعدل 10 امرأة في كل مدينة، هنا لابد من ان يشير المرصد إلى العمل الجبار لفريق العمل والذي نحييه عبر هذا المنبر الإعلامي.

البحث الميداني كان عبارة عن استجواب، تركت مساحة واسعة لحرية التعبير، اجرته نساء من المدن المذكورة حتى يتسنى لنا الوقوف على تفاعل المواطنات بشكل دقيق، فكما هو معلوم المرأة بمدن الجنوب لها مكانة خاصة، ليس في المجتمع المغربي فقط بل تتعداه للمجتمع العربي عموما، شبيهتها في المكانة هي المرأة الموريتانية.

توجهنا في البداية بالاستفسار عن مدى تبني المرأة لفكرة الإنفصال فكانت نسبة 77 في المئة ترفض الفكرة، بمعدل 23 امرأة، في حين 7 منهن تتبنى الطرح الإنفصالي، وهو ما يحيلنا إلى أن الفكرة لم تعد موقفا تتبناه الأجيال الحالية عكس ما تروج اليه المنابر الإعلامية الإنفصالية، هنا يجب الإعتراف بالقوة الإعلامية لها وتمكنها في تسييس الوقفات، وقدراتها الهائلة في فن التصوير الإعلامي، فالمنابر الإنفصالية قادرة على جعل وقفة العشرة اشخاص مسيرة مئوية.

تعمق الفيلسوف كامو في تحليله لمفهوم التمرد في المجتمعات، وقد أشار إلى أن الشعور بالتمرد والرفض لا يظهر عند النظر في الحقائق والتأثيرات الأحادية الجانب، بل في المقارنة بين الوضع والواقع. وأضاف كامو أن التمرد لا ينحصر في الإنسان أو في العالم فقط، إنما في انصهارهما، فيصبح التمرد هو الخيط الوحيد الناتج بينهما. نصل من خلال هذا إلى نوع من الاتحاد الثلاثي: التمرد – الوعي الإنساني – الدولة؛ وفي حال استثنينا واحدا منها سيؤدي ذلك إلى تفكيك هذا الاتحاد. إن التصادم بين حدود هذا الثلاثي أو تصارعها يولد شعورا بانعدام الأمل والإنكار المستمر وعدم الرضا. وإذا تمكنا من تجاوز هاته الحدود عبر تحقيق مصلحة المواطن فإن الشعور بالتمرد يزول، لأنه يقاس بنسبة عدم توافقاتنا.

من مفارقات البحث الميداني وهو ما يجب الإشارة إليه أن جل المستجوبات حينما توجهنا لهم بالإختيار بين تبني ابنائهم للفكرة الإنفصالي والتحصيل العلمي، كانت جلهن تؤكدن على ضرورة التحصيل العلمي، في مفارقة غريبة تحصر فكرة الإنفصال في فشل المواطن الذي يتبنى الموقف، تعبيرا منه على رفض الواقع. الفاعل السياسي يتجلى دوره هنا في المرافعة على مصلحة المواطن، كما يجب على الدولة خلق منافذ ومتنفس للمواطن عبر مختلف الأقاليم، متنفس ليس بمعناه الضيق، ولكن بمنح الإنسان فرصة أن يكون مواطنا منتجا لمصلحته هو وأسرته وبالتالي ستنعكس ايجابا على مصلحة الدولة، التي تبقى في نهاية المطاف مجموع مواطنة المواطنين.

عن علاقة القرابة بين المستجوبات ومحتجزي تيندوف فإن 19 مستجوبة تربطهن علاقة قرابة بأسر في مخيمات تيندوف بمعدل 63 في المئة، في حين 11 منهن لا ترتبط بأي علاقة بنسبة 37 في المئة، وهو ما يبقى محط شك بالنسبة لنا نظرا للحساسية التي ترتبط بالموضوع.

نود أن نشير أن التفصيل في نتائج البحث الميداني الذي اجراه مرصد الجنوب للهجرة وحقوق الأجانب ستنشر في مقالات مستقبلية في هذا المنبر الإعلامي، وحتى لا نطيل على القراء الكرام نقف على السؤال الموجهة للمرأة الصحراوية: هل مشكل الصحراء يعني فقط الصحراويين أم المغاربة عموما؟ وقد أكدت 23 امرأة أن المشكل يعني الصحراويين فقط وأن الحل بيد الصحراويين بنسبة 77 في المئة، في حين 23 في المئة تعتبر أن مشكل الصحراء يعني كل المغاربة بمعدل 7 نساء فقط.

يوقفنا المفكر اللبناني غسان سلامة ان الهوية التي تقوم على العرق تبنى على اساسيين، الاول التركيز على خصوصية الهوية الخاصة بالمجموعة العرقية والثانية التركيز على الغيرية اي على الفروقات ما بين ثقافة هوية الجماعة الثقافية والثقافة الاساسية، ما يحيلنا على نظرية الاضطهاد بأنواعه سواء كان على المستوى العرقي او الديني او الاقتصادي. و غالبا ما يكون متداخلا مع ضغوطات وتدخلات دولية ويعكس في الغالب توترات مجتمعية داخلية ما بين المجموعة الراغبة والدولة الجامعة.

بمعنى اخر يتحول الاضطهاد كفعل مادي إلى شعور، من خلاله نفهم مدى ترابط ثلاثية التفكير والشعور ومن ثم السلوك. اي ان التفكير بالاضطهاد التاريخي يولد شعورا بالاضطهاد ومن ثم يحدد طبيعة سلوك المواطن.

كنا قد اشرنا في مداخلات ومقالات سابقة على ضرورة صحراوية المشكل والدفع بالوطنيين الصحراويين المغاربة على جبهات الصراع الأممية وعلى جميع الأصعدة، ويبقى خير مثال الإحراج الذي كانت فيه جبهة البوليساريو اثناء جولة المفاوضات بمانهاست الأمريكية، 2011، بحيث رفض وفد البوليساريو الجلوس في مفاوضات مستقبلية مع الوفد المغربي بحضور أي صحراوي نظرا، كما تحججوا ان مشكلتهم مع المغرب وليس مع الإنسان الصحراوي، ايضا محاولاتهم الأخيرة عبر نشر تدوينات ونشر التخوين للوفد المغربي المشارك في مفاوضات جنيف، مما يبين أن أيجاد حل واقعي ليس مبتغاهم، لمشكل طال امده كان في الإنسان ليس في مناطق الجنوب ولكن الإنسان في تندوف أكبر ضحاياه، في القرن الواحد والعشرين لا زال الفاعل السياسي السبعيني والثمانيني يقرر في مستقبل الشاب العشريني، هزلت حد الثمالة. بربكم أيقبل العقل والوجدان، وحتى المنطق هاته التلاعبات فمشكل الصحراء ورثناه عن آباءنا وأجدادنا ولازال هناك من هو مستعد لتوريثه لأبنائنا ليعيش في ظله ابنائه.

أختتم بالقول أن السياسة ليست لعبة النوايا الحسنة أو المبادئ السيئة؛ إنها أشبه بلعبة الشطرنج يتدخل فيها عامل الذكاء والاستعداد والإلمام الجيد بقواعد اللعبة، وهي أبعد ما تكون عن لعبة النرد؛ حيث يتمتم اللاعب يا رب ويرمي النرد راجياً تحقيق الفوز.
ذ/الحسين بكار السباعي
محام بهيئة المحامين باكادير والعيون.
رئيس مرصد الجنوب لحقوق الأجانب والهجرة.
ممثل المنظمة الدولية للفن الشعبي IOV التابعة لليونسكو بالصحراء.
باحث في الإعلام والهجرة وحقوق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *