على خط معمل النفايات الطبية بمدينة شيشاوة

16 فبراير 2019 - 4:07 م

عبد الحكيم الرزيكي

تعيش مدينة شيشاوة هذه الأيام نقاشا عموميا حول توطين مصنع لتكرير النفيات الطبية بالقرب من حي الأمل طريق مراكش، هذا النقاش الذي تحول إلى سجال سياسي بين معارضين للمشروع وبين من يدعون إلى التريث في إصدار الحكم بالقبول أو الرفض وكل فريق يسوق حججه التي يعتقد أنها عين الصواب .
ان المتتبع لمسار التنمية بمدينة شيشاوة و خصوصا في الجانب الاستثماري وخلق فرص الشغل، ليقف باندهاش على المسار التاريخي لهذا الاستثمار الموعود، حيت عاشت أحياء النهضة و حمادة ومعهما كافة ساكنة المدينة نفس السيناريو عندما عقد العزم المجلس السابق الترخيص بإقامة مطرح للنفايات المنزلية بموصفات بيئية انتهى مآله إلى الفشل أو ربما تحويله إلى وجهة أخرى أو تم اقباره. و نفس السناريو يعاد اخراجه مع المجلس الحالي 2019، لكن بموضوع أخرى وقصة درامية أخرى، هي مصنع لتكرير النفايات الطبية بحي الأمل. هل التاريخ يعيد نفسه أم هي صدفة أم هي مأساة أم مهزلة من مهازل تدبير الشأن العام بهذه المدينة الفتية الصاعدة.
وبتعميق النظر و استقراء هاتين التجربتين الاستثماريتين المدعى عليهما، يتبين أن مدينة شيشاوة ربما حظها من المشاريع البيئية مخطط لها من جهة ما. بالنظر لطبيعة المشاريع التي تصدر إليها وهي مشاريع تكرير النفايات. و إن كنا لا نبخس هذا النوع من المشاريع الطموحة و نعتبرها من بين المشاريع الرائدة عالميا والتي تعتبر من الثروات الثمينة ولنا في النماذج الدولية عبرة، و ما أسعدنا لو أننا سعينا في ذلك من أجل تثمين النفايات بالمغرب و بالجهة و بالإقليم، رغم أن المغرب قطع أشواطا على مستوى التشريع البيئي و للأسف يبقى واقع التنزيل والعقلية هو المحك على صدقية النوايا و الفعل.
ولمقاربة هذا الموضوع نطرح سؤالين: هل مدينة شيشاوة تحتمل هكذا مشاريع؟ ولماذا شيشاوة بالضبط؟
ان الاجابة على هذين السؤالين يقتضي الإلمام بجغرافية المدينة و مجالها السوسوقتصادي. وشروط توطين هذا النوع من المشاريع. وبدون هذا الالمام يبقى تدبير هذه الاشكالات نوع من العبث و اقحام القصري، ونوع من العجب و تفصيل قشابة للعجل.
ان جغرافية مدينة شيشاوة تتميز بضيق مجالها الطبيعي بحيث قطرها لا يتعدى 3 كيلومترات، و تتميز بتشتت السكن بحيث نجد أحياء متفرقة على طول المحاور الطرقية. و بالتالي هل المسافة بين المشاريع التي تقتضي الموافقة البيئية و الساكنة كافية لتجنب التأثيرات غير المرغوب فيها و التي قد تشكل خطرا احتماليا أو متوقعا أو حالا على الساكنة. وبالرجوع إلى موقع الذي اختير لإقامة المشروع ، نجده تقريبا لا يتعدى مسافة الكيلومتر عن آخر حي الأمل إضافة إلى تواجده بين ثلاثة أحياء سكنية يفصلها عنه أقل من كيلومتر.
و بالرجوع إلى الدراسات التقنية و التي قد تكون صائبة نسبيا و لها و جاهتها العلمية، لكن هل أخدت هذه الدراسة بالجانب السوسيونفسي لمثل هذه المشاريع وخصوصا بمدينة شيشاوة. فهل يستطيع أكبر الخبراء في العالم في المجال البئي و الصحي أن يقنع فرادا واحد في مجتمعنا أن السكن قرب الأزبال آمن، أن الناس في مأمن من الأمراض في ظل عالم التواصل و الذي يتلقى من خلاله الفرد كمية من المعلومات حول الأمراض و انتشارها في غياب ضعف الوعي الصحي لدى مواطنينا. وهل يقبل أي مواطن عادي أن يسكن قرب مطرح للأزبال أو أن توضع قرب بيته؟ ودليل على ذلك تكرار عبارة (ديه حدى دارك) التي يرددها المحتجين لكل من أراد اقناعهم بالعكس ،وهي عبارة ترددت أثناء اللقاء مع جمعيات المجتمع المدني بمقر بلدية شيشاوة كدليل على الرفض مهما تم تسويفه من تفاصيل الدراسة التقنية. إن الأفكار المسبقة والمعتقدات الدينية والشعبية مهما كانت خاطئة يمكن أن تقف أمام تنفيذ المشروعات مهما كانت طموحة ومهما كانت دراساتها التقنية سليمة بنسبة مطلقة.
وبخصوص الوضع السوسوقتصادي بمدينة شيشاوة الذي يتميز بالهشاشة من حيث فرص الشغل وسيادة البطالة الموسمية والمقنعة وما يتبع ذلك من قلة الدخل لدى أغلب الساكنة، لغياب مشاريع اقتصادية أكثر تشغيلا. وهذا الوضع المهمش يشعر ساكنة المدينة بالحكرة أمام هذه المشاريع البيئية مما يجعلها لا تحضى بقبول لدى الرأي العام المحلى نظر لطبيعتها المستفزة حتى على مستوى اللغة ـ الخدمة في الزبل ـ واحتقار هذا النوع من العمل في المخيال الاجتماعي. و بالرجوع الى دراسات المشروع نجده فقيرا من حيث فرص الشغل التي يتيحها حسب التقديرات(50عامل)، وهذه العدد غير كافي مقارنة مع طموح الشباب العاطل والذي قد يؤول هذه الفرص إلى نوع الدعاية السياسية و حظوة المقربين و انعدام تكافؤ الفرص. وهذا اذا نظرنا إلى طبيعة ومواصفات العاملين و الذي يقتضي نخبة من التقنيين و المهندسين ذوي تكون متخصص في هذا النوع من النفايات نظرا لطبيعتها و التي تصنف في الدرجة الثانية إن لم نقل الثالثة من النفايات الخطرة، فهي لن تسمح بتشغيل عمال عاديين. وبالتالي قد يكون عدد العمال المحليين هزيلا لغياب معاهد التكوين المهني المتخصص بالإقليم و المدينة، وبهذا قد يتعمق الاحساس اكثر بالتهميش (خدمة البراني الغريب بلغة الشارع) هذا الذي يعتبر غير مرحب به في وسط مغلق اجتماعيا، لأنه يزاحم أبناء البلد في المعاش. وبالتالي ففكرة جلب الاستثمار من أجل لتشغيل و القضاء على البطالة في المدينة حسب المروجين للمشروع تبقى مردود عليها وواهية من وجهة نظرنا، وإن يكن فهل يمكن التضحية بمستقبل الساكنة المجاورة لمثل هذه المشاريع من أجل تشغيل حفنة العاطلين؟ الأمر الذي لا يستقيم مع المنطق العلمي و الفقهي و الذي يقول في إحدى قواعده: عند اجتماع ضرر أعم و ضرر أخف يرتكب الضرر الأخف و الذي هنا هو التضحية بالتشغيل مقابل الحفاض على ساكنة الحي من خطر احتمالي، كما ان ممارسة السلطة العامة مبنية على جلب المصالح و دفع المضار طبقا لقاعدة دفع المضار أوالى من جلب المنافع ودفع مضرة النفايات الطبية في أخطارها حتى ولو كانت احتمالية، أولى من تشغيل قلة قليلة من المعطلين. و هنا نسائل واضعي الدراسة هل أخدت الدراسات السوسولوجية حيزا في دراستكم التقنية، طبعا لا، بحيث لا نجد لها أي اعتبار و هنا مربط الفرس. وهذا ربما الخطأ الشائع لدى مكاتب الدراسات التي تكتفي بما هو تقني وحسابي مالي و تغيب الجانب الاجتماعي و العقدي و النفسي في الانسان، وبالتالي يكون غياب الدراسات المجالية المتكاملة سببا له نسبته في فشل عدة مشروعات طموحة بالمغرب و الدول النامية.
و بهذا التحليل نكون قد أجبنا عن السؤال الأول لنخلص أن حجج رفض هذا المشروع أقوى من حجج قبوله حتى ولو كان أصحاب الرأي الرافض أقلية.
يتبع

التعليقات

  1. السؤال المطروح لماذا بالضبط هذا المشروع اريد ان يكون بمدينة شيشاوة ولم يتبناه المجلس الإقليمي ويتم اختيار مكان آخر ومواصفات تحترم معايير بيئية عندما نجيب عن هذا السؤال العريض قد نفك لغز هذا المشروع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *