تتمة لموضوع على خط معمل النفايات الطبية بشيشاوة.

23 فبراير 2019 - 6:30 م

تقتضي الإجابة عن السؤال: لماذا معمل النفايات الطبية بمدينة شيشاوة؟ الرجوع إلى تاريخ شيشاوة القريب لسبر بعض معالم المجال و الانسان والتي قد تسعفنا في استجلاء بعض أعطاب التنمية المجالية المستدامة بمدينة شيشاوة.
تتميز مدينة شيشاوة بضيق مجالها الحضري فهي محصورة بين جماعتين واسعتين المزوضة شرقا و أهديل غربا. هذا الإكراه المجالي لا يسمح لها بالتوسع في ظل التحديد الاداري الحالي، و رغم ذلك فهي تتمتع بموقع استراتيجي، حيث تواجدها في مفترق محاور الطرق مراكش ـ أكادير، الدار البيضاءـ أكادير، مراكش ـالصويرة، جعل منها البوابة الأولى للجنوب عبر معبر امينتانوت، وهكذا ارتبطت أنشطة سكانها بالقطاع التجاري الخدماتي خصوصا الخدمات المتعلقة بخدمة المسافرين و النقل، وهي الإطعام و الاستراحة، أي المقاهي و المطاعم حيث تتوقف الشاحنات و الحافلات و السيارات، هذا النشاط التجاري و الخدماتي الذي كان يعرف في سنوات ليست بالبعيدة ازدهارا و رواجا كبيرا، خصوصا في فصل الصيف مع عودة المهاجرين من أوروبا، وتنقل المصطافين بين مراكش والصويرة، ومراكش واكادير.
أما قطاع الفلاحة فكان محصورا في بعض البساتين الضيقة أغلبها أشجار الزيتون التي تتخلل مركز المدينة. إضافة إلى فلاحة شبه عصرية ببعض الضيعات بالتعاونيات على هامش وادي شيشاوة، و التي كانت تحقق اكتفاء ذاتيا للمدينة من الغداء، وأحيانا يصدر الفائض إلى المدن المجاورة.
إن الموقع والنشاط التجاري الخدماتي بمركز شيشاوة سابقا لم يسطع أن يخلق منها مدينة منافسة في مجالها لبعض المراكز القريبة منها، ولم يخلق منها نواة لمدينة على غرار باقي المدن التي ارتبطت بالمحاور الطرقية التي تجذب إلى محيطها توسعا عمرانيا حديثا، بل بقي العمران مترامي الأطراف وعلى الهامش وعشوائي على شكل دواوير متباعدة لا رابط حضري بينها، دوار ولاد ابراهيم (النهضة)على طريق الصويرة، وداور ولاد باني (الحي المحمدي)على طريق أكادير، ودوار ماشو (الأمل) والملاح(الفرح) والحي الحسني على طريق مراكش. ومباشرة من المركز تمتد الادارات الحديثة في خط مستقيم في اتجاه الجنوب وبقي المركز ـ كما لازال يسميه البعض (الفيلاج)ـ عبارة عن تجمع للدكاكين و المقاهي و محطات توزيع المحروقات. ولم يشكل المركز نقطة استقرار للسكان نظرا لضعف عوامل الاستقطاب الأخرى، اللهم هجرة بعض سكان الهوامش و القبائل المجاورة (أحمر ،أولاد بن السبع ،الشياضمة ، والأمازيغ ) و التي استقر أغلبهم بأولاد ابراهيم و أولاد باني. أما الموظفين وعلى قلتهم فكان لهم حي خاص قرب الإدارات (الجماعة، الدائرة) في شبه عزلة بعيدا عن المركز، إضافة إلى بعض رجال التعليم الذين استقروا بالأحياء السابقة الذكر.
ان التاريخ القريب للاستقرار العنصر البشري بمدينة شيشاوة تميز بتنوعه القبلي، هذا التنوع شكل عنصر انصهار وتعايش و تساكن اندثرت معه المحددات القبلية. و بالتالي لم يكن الشعور بالمجال الجغرافي يدخل في التركيبة النفسية لدى ساكنة مدينة شيشاوة حيث يحكي أن الوافد كان يكفيه تقديم قالب سكر إلى الجماعة فتقتطع له أرضا للسكن، باعتبار أن الكل غرباء، و كما يقول المثل الغريب للغريب حبيب أو نسيب.
و مع ظهور الفلاحة العصرية بمنطقة المجون بدأت المدينة تعرف تحولا عمرانيا، و تزايد الطلب على السكن وتوسعت الدواوير القديمة بشكل سريع و عشوائي، وبقي المركز نقطة معزولة في غياب أي تخطيط عمراني يأخذ من المركز التجاري القديم نواة للامتداد العمراني، بحيث يمكن أن نتحدث عن أحياءـ مدن، اذ يمكن لكل حي أن يصبح نواة لمدينة صغيرة متكاملة عضويا.
لقد ظلت مدينة شيشاوة من الناحية الادارية تابعة لمراكش، مما أدى إلى تهميشها على مستوى التنمية، حيث أن كل الموارد كان تستفيد منها مدينة مراكش، إلا أن إحداث الإقليم سنة 1991 و منح مركز شيشاوة مركز الاقليم. لم يخلق معالم مدينة. بل تمة المحافظة على هيكلة المجال وفق نسقه المورفولوجي السابق المتسم بالتشتت الذي تعمق مع إحداث عدة تجزئات سكنية لمحاصرة الدواوير السابقة في إطار سياسة محاربة السكن العشوائي.
إن عملية التخطيط العمراني للمدينة و توزيع الأرض، لم يكن في حجم إحداث مدينة صاعدة، بل تم تجميع عدد من محطات الوقود والخدمات المرتبطة بها على طريق أكادير باعتباره المحور الرئيسي، و حتى لا تكون منافسة قوية لهذه المشاريع الجديدة، تم طمس المركز التجاري القديم الذي هو أحد أهم معالم المدينة وهويتها التاريخية (الفيلاج)، والذي كان يشكل محور الحركة التجارية و الخدماتية، وكان هذا الحدث من الأخطاء الفادحة التي قضت على أمل خلق مدينة عصرية انطلاقا من المركز القديم، بل تم إفراغ هذا المركز و تعويضه بحدائق ومرافق ضخمة معزولة عن الساكنة، فضاع وجه شيشاوة وتاريخها و شواهدها، إلا من جزء قديم بقي على طريق الصويرة ، هذه الخسارة التاريخية لا زال النشاط التجاري بالمدينة يؤدي ضريبتها غاليا، رغم إحداث مركز تجاري جديد، لكنه بقي يتيما ومعزولا. و تعمقت هذه الأزمة بإنشاء طريق السيار، و الذي تم إبعاده عن المدينة بحوالي 15 كيلومتر، ليشكل ضربة النهائية للتجارة و الخدمات بالمدينة، حيث تدهور النشاط الخدماتي الطرقي بشكل مهول و كسدت كل المشاريع المرتبطة بالطريق، حتى أصبح يذكرنا هذا بتحول طرق القوافل و ما صاحبها من انهيار مدن و نشوء أخرى. و الحقيقة التاريخية أن شيشاوة لم تستفد من الطرق التجارية لا في مرورها منها قديما و لا في تحولها عنها حديثا.
ومن خلال هذا التوصيف العام و المتشضي للمجال و التاريخ القريب لمدينة شيشاوة و لتركيبتها البشرية ، قد نلتمس الإجابة عن واقع حالها المتسم بالركود في غياب مبادرات استثمارية جادة منتجة ، وعليه فالمدينة لم تستطع أن تنتج مجالا مدينيا يتميز بدينامية المدينة العضوية الحيوية في مجالها السوسيوـ اقتصادي، بالرغم حداثة تجهيزاتها من البنية التحتية وشوارعها العريضة، ولم تستطع أن تنتج نخبة استثمارية محلية راكمت تجربة تاريخية من نشاطها السابق التجاري و الخدماتي، قادرة على المغامرة لخلق مدينة ذات أفق اقتصادي منتج لفرص العمل تستوعب فائض العنصر البشري الشاب. و بالتالي غياب العمل القار و المستدام. كما أن المدينة لم تسطع أن تنتج نخبة سياسية قادرة على صنع القرار السياسي واستثمار مادتها الرمادية في التخطيط لبرامج تنموية طموحة تجيب على انتظارات المواطنين على المستوى التكويني و الصحي و الثقافي و الرياضي. والدليل على ذلك النتائج التنموية للمجالس المتعاقبة على التسيير الجماعي بالمدينة، والتي تبقى هزيلة ومحصورة في أعمال روتينية، (التبليط ،توسيع الطرق، استبدال الأعمدة الكهربائية، الحفر و الترقيع، الهدم والبناء، المساحات الخضراء) دون إضافة إبداعية متميزة. فلا زالت أحياء تفتقد إلى مستوصفات القرب، وإلى أماكن الترفيه، إلى مراكز التكوين المهني، وإلى حي صناعي بمواصفات تقنية و بيئية عالية يجتذب المستثمرين النوعيين.
كما أن مدينة شيشاوة لم تسطع أن تنتج نخبة جمعوية متمكنة من أدوات العمل الجمعوي المستقل، قادرة على الترافع على مصالح المدينة في إطار الديمقراطية التشاركية المسؤولة، وانتاج الأفكار و القيم المضافة لترميم بعض نقائص تدبير الشأن العام بالمدينة بالتجرد الكافي. فالمجتمع المدني، و الذي هو نخبوي في أصله، تطوعي في عمله ،إنساني في قيمته، أصبح في المدينة كرنفاليا بوعي أو بدون وعي يلعب أدوارا على المقاس، بل يصبح البعض منه في بعض الأحيان قناة إشهارية لبعض السياسات التدبيرية الفاشلة. وخلفية مفضوحة يختبئ خلفها مفتقدي المسؤولية التاريخية و الشجاعة السياسية بالمدينة، وأحيانا أخرى يتحول إلى أداة دعائية لشيطنة كل من يخرج عن السرب.
ان الواقع الذي تعيشه مدينة شيشاوة لا ينفصل عن واقع باقي المدن المغربية عموما و التي تعيش اكراهات التنمية، كل بشروطها الخاصة. فبوصلة التنمية المجالية المستدامة لازالت مفقودة، و تبقى العشوائية في توطين المشاريع هي القاعدة وفق نظرة تنموية اقتصادوية محضة لا أثر لها في الواقع، في حين أن هذه النظرة أصبحت متجاوزة الأن، وأصبح هذا النمط من التفكير قصورا تدبيريا و فكرا متخلفا منتقدا، بل إن استحضار الإنسان والمجال والهوية في تخطيط انجاز المشاريع هو المعين لتجاوز بعض اكراهات الواقع. فما معنى توطين مشاريع تلبي حاجيات الأجيال الحالية ولا تحافظ على حاجيات الأجيال المقبلة. إن التنمية المجالية المستدامة والتي هي محور التفكير التنموي العقلاني اليوم، هي الغائبة عن تدبير الشأن العام بمدينة شيشاوة. و أحد الأسباب التي قد تسعفنا في الإجابة عن سؤالنا لماذا يتكرر نفس السيناريو بشيشاوة بالضبط؟
إن قرب شيشاوة من مراكش ومن الصويرة، لم يجعل منها مدينة تابعة viles satellites بالمعنى الإيجابي، بل جعل منها وعاء عقاريا رخيص الثمن مقارنة بأثمنة العقار بالمدن المجاورة، نظرا لطبيعة النظام العقاري بها والذي في أغلبه أراضي الجموع. وبالتالي أصبحت قبلة لتصدير كل المشاريع التي لا يمكن أن تستوعبها هاتين المدينتين السابقتي الذكر، لأن مخططاتها التنموية المستقبلية بنت على السياحة، و من غير المقبول أن تكون بها صناعات ملوثة، والدليل على ذلك ترحيل عدة وحدات صناعية من المدينتين في اتجاه مدن مجاورة. وهذا ما دفع البعض إلى السعي لتوطين البعض منها بمدينة شيشاوة، رغم أهميتها، لكنها غير ممكنة في مدينة ضيقة المجال.
وعلى الرغم من إحداث (حي صناعي)على طريق مراكش، فقد بقي مهجورا لسنوات و تحث سيطرة المضاربين العقاريين و لم يتم انشاء أي وحدة صناعية منتجة من طرف المستثمرين المفترضين الذين فوتت إليهم الأرض، اللهم ما يتداوله السكان عن بناية فريدة تحمل ملامح مصنع و التي لا زالت مقفلة. مما يطرح سؤال هل إنشاء حي صناعي كان نتيجة لحاجة تنموية مخطط لها، أم هو رغبة إرادوية فقط؟ و فهل يتوفر على مقومات الحي الصناعي في شروطه اللوجستيكية و البيئية؟ تواجده خارج المناطق السكنية، مرتبط بطرق المواصلات ومرافق النقل، يتوفر على الامدادات الكهربائية العالية الطاقة، اتصالات متطورة، إمدادات المياه كبيرة الحجم، توفير ضوابط البيئة المحلية للحد من الأثر البيئي والاجتماعي للاستخدامات الصناعية.
ورغم استراتيجية موقع الحي الصناعي بمدينة شيشاوة فإن اللوحة التسويقية له لم تستطع أن تغري، لجذب الوحدات الصناعية و المستثمرين، في ظل تردد النخبة الاقتصادية المحلية و غياب روح المغامرة لديها، لخلق أو جلب مشاريع صناعية جيدة وأكثر تشغيلا، سواء في إطار الإحداث المستقل، أو في إطار عملية إعادة توطين للصناعات المرحلة من المدن المجاورة عبر الشراكة. فنخبة المدينة المالية غالبا ما تلجأ إلى الاستثمار الآمن في العقار، و الأنشطة الخدماتية القليلة التكلفة و القليلة المخاطر. المقاهي نموذجا، كل هذه العوامل ربما هي التي دفعت بمتخذي القرار بالمدينة إلى الاكتفاء بالفرص النادرة التي تأتي للمدينة، بمعنى( التدماق بلي كاين). وهذا هو المبرر الذي ظل يردده تيار القبول خوفا من ضياع فرصة الاستثمار، في غياب رؤية استشرافية مستقبلة واضحة.
فجلب الاستثمار يقتضي توفير شروطه الموضوعية في التكوين الجيد للعنصر البشري، والبيئة الجيدة، والحكامة الجيدة ، ووضع مخطط تنموي تشاركي يغطي كافة مجالات الأنشطة الإقتصادية، و يبين بوضوح معالم مدينة شيشاوة المستقبلية التي نريدها، ربما عدم وجود هذا المخطط جعل من المدينة مجالا لتصريف المشاريع المرفوضة من المراكز الكبرى، وضحية لحظها العاثر في جلب المشاريع الرائدة و النوعية المقبولة.
وبناء على ما سبق نستنتج أن دخول بعض الاستثمارات الملوثة للبيئة للمدينة (مطرح النفايات المنزلية، مصنع تدوير النفايات الطبية) لم يكن صدفة بل هو نتيجة لعدة عوامل متداخلة: منها ضعف القوة التفاوضية للنخبة السياسية و الاقتصادية و الجمعوية بالمدينة، غياب مخطط اقتصادي واضح يبين طبيعة الاستثمارات المطلوبة، غياب لوحة تسويقية اشهارية للحي الصناعي، غياب ميثاق استثماري ملزم للمستفيدين من البقع الأرضية بالحي الصناعي، ضرب تاريخية شيشاوة كمركز تجاري وخدماتي في أفق تحويلها إلى مركز لأنشطة أخرى.
لكن رغم كل هذا، هل يكفي أن نكون قوة معارضة للمشاريع الملوثة؟ طبعا لا. باعتبار أن مسلسل التنمية المجالية المستدامة ليس بالأمر اليسير و ليس بالأمر العسير، بل هو محصلة لتظافر جهود كل الفاعلين في المدينة بعيدا عن الجدال السياسي العقيم و الضربات تحث الحزام. لأن هذا لن يخدم مسألة التنمية، فمستقبل مدينتنا شيشاوة يهمنا.

عبد الحكيم الرزيكي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *